الموزاييك الدمشقي حرفة تراثية تواجه خطر الاندثار
ما زال عدد من الحرفيين يمارس حرفة الموزاييك الدمشقي الذي يجمع أنواعاً مختلفة من الخشب والصدف في تفاصيل دقيقة وأشكال هندسية، رغم تراجع أعداد العاملين فيها وقلة الشباب المقبلين على تعلمها. ويوضح الحرفي فؤاد عربش أن الموزاييك حرفة دمشقية ابتكرها أهالي المدينة وكان جرجي البيطار من أوائل من عمل بها عام 1680، وأنها تعتمد على أخشاب طبيعية كانت متوافرة في غوطة دمشق من الجوز والزيتون والليمون والكينا والمشمش والخوخ، إضافة إلى استخدام الأصداف البحرية في تزيين القطع، وقد ساعد قرب هذه الأخشاب وتوافرها بأسعار مقبولة على انتشار المهنة واستمرارها.
واستذكر عربش سنوات لم تكن سهلة على المهنة فقدت خلالها كثيراً من حرفييها، إذ تأثرت بالظروف التي مرت بها سوريا ولا سيما أن عدداً من ورشاتها كان في مناطق غوطة دمشق الشرقية بينها زملكا وعربين وحرستا وسقبا، حيث اضطر أصحاب الورش والمتاجر إلى إغلاق أعمالهم أو ابتعد بعضهم عن المهنة وغادروا البلاد. لكنه شدد على أن العمل في المهنة يمكن أن يكون مجدياً مادياً خصوصاً مع تحسن الحركة السياحية وعودة الزوار الذين كانوا يحرصون على اقتناء قطعة مصنوعة يدوياً يسهل حملها، لكون قيمتها ترتبط بالوقت والمهارة اللذين يحتاجهما الحرفي لإنجازها.
ويرى عربش أن إعادة تنشيط الموزاييك تحتاج إلى تعاون بين الحرفيين والجهات الحكومية والهيئات المعنية بالحرف والتراث، مشيراً إلى أن مؤسسة حلم دمشق التي يديرها تطلق بين فترة وأخرى دورات مجانية لتعليم الحرف والمهن التراثية السورية وإيصال خبراتها إلى الشباب. ويعتقد أن المشكلة لا تكمن في التعليم فحسب بل في العثور على أشخاص يملكون الرغبة والصبر للاستمرار، فالموزاييك يحتاج وقتاً طويلاً لإنجاز القطعة والبيع والتسويق ليس سهلاً، لكن وصول شاب واحد من كل مجموعة يقرر الاستمرار في المهنة يمكن أن يكون بحد ذاته مكسباً مهماً.
وتبدأ صناعة الموزاييك برسم التصميم على لوح خشبي، ثم تجهيز قطع الخشب وقصها بالمنشار الكهربائي على شكل قضبان متساوية الحجم ترتب إلى جانب بعضها وتجمع وتربط بخيط وتثبت بالغراء نحو يوم كامل حتى تتماسك وتصبح كتلة واحدة، تقطع بعد ذلك إلى شرائح رقيقة ينتج عنها نحو 70 قشرة تلصق على القطع الخشبية وفق التصميم المحدد. أما المرحلة الأخيرة فتتعلق بالصدف، إذ تحفر أماكن مخصصة له في القطعة ويوضع فيها الصدف البحري أو الصناعي وتملأ الفراغات بمادة معجونية قبل بردها وصقلها حتى يصبح السطح ناعماً.
