السيران الدمشقي حكاية نزهة وتقاليد تتوارثها الأجيال
لا يحتاج الدمشقي إلى إعلان ليعرف أن يوم السيران قد بدأ، يكفي أن يرى السيارات محملة بالسجاد والكراسي وأكياس الفحم. وفي صباح الجمعة تترك العائلات ضجيج المدينة خلفها وتتجه بحثاً عن ظل شجرة أو مساحة خضراء، حاملة معها طعامها وأباريق الشاي وأوراق الشدة، لتتحول النزهة بين نار الفحم ورائحة القهوة وأصوات الأغاني والدبكة إلى حكاية اجتماعية تتوارثها الأجيال.
كان السيران في بداياته يعني الخروج سيراً على الأقدام إلى البساتين القريبة بحثاً عن الهواء النقي، ومع مرور السنوات تغيرت وسيلة الوصول وبقيت الفكرة نفسها. ومع ارتفاع أسعار المطاعم والمقاصف السياحية استعادت العائلات هذا التقليد بوصفه نزهة اجتماعية أقل كلفة، فتتجه نحو طريق المطار أو تصعد إلى وادي بردى وبلودان والزبداني وقرى جبل الشيخ. وتقول رند من أهالي الصالحية إن السيران لا يعرف فصلاً واحداً، ففي الصيف تبحث العائلات عن الأشجار والظلال، وفي الشتاء تصعد للاستمتاع بالثلوج في بلودان والزبداني حول مواقد الفحم، بينما يحمل الربيع تقليد «رحلات المونة» نحو سفوع ومحيط جبل الشيخ حيث تقضي العائلات يومها بين الطبيعة وتعود محملة باحتياجات المنزل من الفول الأخضر والبازلاء.
ويستعيد الباحث في التراث الثقافي محمد فياض الفياض رحلات «قطار المصايف» الذي كان ينطلق من محطة الحجاز في دمشق وصولاً إلى سرغايا، متوقفاً في الهامة للتزود بالمياه ثم جديدة الشيباني وعين الخضراء وعين الفيجة قبل مضايا وبلودان. ويرى الفياض أن السيران يحتفظ اليوم بسمة «العزلة الإرادية بعيداً عن شاشات الهواتف الذكية»، إذ تتهادى العائلات الأحاديث العفوية وتعلو الأغاني الدمشقية وتتشكل حلقات الدبكة، كما كان عبر التاريخ مساحة للتعارف بين العائلات انتهى بعض لقاءاته إلى ارتباطات وتأسيس بيوت جديدة، وتذوب فيه الفوارق الاجتماعية.
ويقول أديب حسن من أهالي ركن الدين إن الرجال يتولون شراء المستلزمات والشواء بينما تنشغل النساء بتحضير السلطات والتبولة والفتوش والمقبلات، وبين عائلة وأخرى تبدأ عملية تبادل الأطباق حتى تتحول إلى سفرة واحدة مفتوحة يحضر على أطرافها إبريق الشاي والقهوة والمتة المغلية على الفحم. ويشير حسن إلى أن التوسع العمراني أدى إلى تقلص مساحة الغوطة الخضراء وأن ضفاف بردى لم تعد متاحة للعائلات محدودة الدخل كما كانت، ما دفع الأهالي إلى المتنزهات الشعبية البسيطة حيث يقضون ساعات من الاسترخاء بأقل التكاليف.
